فخر الدين الرازي
519
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ . واعلم أن هذا ليس بتكرار وذلك لأنه تعالى ذكرهم أولًا ليبين حكمهم وهو ولاية بعضهم بعضاً ، ثم إنه تعالى ذكرهم هاهنا لبيان تعظيم شأنهم وعلو درجتهم ، وبيانه من وجهين : الأول : أن الإعادة تدل على مزيد الاهتمام بحالهم وذلك يدل على الشرف التعظيم . والثاني : وهو أنه تعالى أثنى عليهم هاهنا من ثلاثة أوجه : أولها : قوله : أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا فقوله : أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ يفيد الحصر وقوله : حَقًّا يفيد المبالغة في وصفهم بكونهم محقين محققين في طريق الدين ، والأمر في الحقيقة كذلك ، لأن من لم يكن محقاً في دينه لم يتحمل ترك الأديان السالفة ، ولم يفارق الأهل والوطن ولم يبذل النفس والمال ولم يكن في هذه الأحوال من المتسارعين المتسابقين . وثانيها : قوله : لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وتنكير لفظ المغفرة يدل على الكمال كما أن التنكير في قوله : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [ البقرة : 96 ] يدل على كمال تلك الحياة ، والمعنى : لهم مغفرة تامة كاملة عن جميع الذنوب والتبعات . وثالثها : قوله : وَرِزْقٌ كَرِيمٌ والمراد منه الثواب الرفيع الشريف . والحاصل : أنه تعالى شرح حالهم في الدنيا وفي الآخرة ، أما في الدنيا فقد وصفهم بقوله : أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا وأما في الآخرة فالمقصود إما دفع العقاب ، وإما جلب الثواب ، أما دفع العقاب فهو المراد بقوله : لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأما جلب الثواب فهو المراد بقوله : وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وهذه السعادات العالية إنما حصلت لأنهم أعرضوا عن اللذات الجسمانية ، فتركوا الأهل والوطن وبذلوا النفس والمال ، وذلك تنبيه على أنه لا طريق إلى تحصيل السعادات إلا بالإعراض عن هذه الجسمانيات . القسم الرابع : من مؤمني زمان محمد صَلَّى اللّه عليه وسلّم هم الذين لم يوافقوا الرسول في الهجرة إلا أنهم بعد ذلك هاجروا إليه ، وهو المراد من قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وفيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في المراد من قوله تعالى : مِنْ بَعْدُ نقل الواحدي عن ابن عباس : بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية ، وقيل بعد نزول هذه الآية ، وقيل : بعد يوم بدر ، والأصح أن المراد والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى ، وهؤلاء هم التابعون بإحسان كما قال : وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ التوبة : 100 ] . المسألة الثانية : الأصح أن الهجرة انقطعت بفتح مكة لأن عنده صارت مكة بلد الإسلام وقال الحسن : الهجرة غير منقطعة أبداً ، وأما قوله عليه السلام : « لا هجرة بعد الفتح » فالمراد الهجرة المخصوصة ، فإنها انقطعت بالفتح وبقوة الإسلام . أما لو اتفق في بعض الأزمان كون المؤمنين في بلد وفي عددهم قلة ، ويحصل للكفار بسبب كونهم معهم شوكة وإن هاجر المسلمون من تلك البلدة وانتقلوا إلى بلدة أخرى ضعفت شوكة الكفار ، فههنا تلزمهم الهجرة على ما قاله الحسن ، لأنه قد حصل فيهم مثل العلة في الهجرة من مكة إلى المدينة . المسألة الثالثة : قوله : فَأُولئِكَ مِنْكُمْ يدل على أن مرتبة هؤلاء دون مرتبة المهاجرين السابقين لأنه ألحق هؤلاء بهم وجعلهم منهم في معرض التشريف ، ولولا كون القسم الأول أشرف وإلا لما صح هذا المعنى . فهذا شرح هذه الأقسام الأربعة التي ذكرها اللَّه تعالى في هذه الآية .